رحلتي مع الرسم العصبي: من الضياع إلى الإبداع

قبل الاكتشاف: الحياة في فوضى المشاعر

لم أكن أدرك أنني كنت أعيش وسط دوامة من المشاعر المتخبطة حتى وجدت نفسي في لحظة مواجهة حقيقية مع ذاتي. كأم، وزوجة تعيش اسوأ ايام علاقتها بنفسها وبشريك حياتها وبكل المحيطين بها. مهاجرة في بلاد الغربة القاسية وبعد معاناة العراق وحروبه الثلاث التي عاصرتها بكل شجاعة ومع كل ما فقدت وما اضافت الى نفسي كنت ابحث عن هوية جديدة.  محملة بأعباءً ثقيلة على كتفي. العمل الروتيني، المسؤوليات المتزايدة، بعد الانفصال القاسي جداً والشعور العميق بالوحدة كلها كانت تلتهمني ببطء. كنت بحاجة إلى متنفس، إلى طريقة لفهم نفسي وإعادة ترتيب أفكاري، لكن لم أكن أعرف كيف.

نقطة التحول: أول خط رسمته

لم يكن الأمر مخططًا له، بل جاء مصادفة. في أحد الأيام، تلقيت دعوة من احدى صديقاتي الى رحلة او كما نسميها اليوم ( ريتريت) وهناك كانت احدى فعاليات الرحلة هي رسمة الماندالا حيث وقعت عيناي على مفهوم "الرسم العصبي" لاول مرة. عندها لم اكن استطيع حتى نطق كلمة ( نيوروجرافيك) بالطريقة الصحيحة. لم أفهمه تمامًا، لكن شيئًا ما في داخلي دفعني لأحمل القلم وأبدأ. في اللحظة التي رسمت فيها أول خط، شعرت بشيء لم أشعر به منذ زمن طويل: كم اعاني وكم كنت غير منسجمة لا مع ذاتي ولا مع محيطي. على الرغم من ان في السطح وما هو ظاهر للعيان اني سيدة لا تعاني من شيئ, ولكن الرسم وضعني لاول مرة في مراجهة مع كل ما في الداخل... لم يكن عليّ التفكير كثيرًا، فقط تركت يدي تتحرك، وكأنها تفرغ كل ما في داخلي من مشاعر مكبوتة.

وكانت اول دائرة ارسمها مع المجموعة من البشاعة بحيث لم اكن ارغب في رؤيتها, وبالنسبة للكثيرات ممن يقرأن كلماتي هنا, انت بخير مادمتي تستطيعين رسم دائرة منسجمة وتستطيعين رؤية تعبيرك براحة على الورقة, فقط استمري لانك احسن مني بكثير عندما بدأت.

التجربة والتعمق: الغوص في عوالم الألوان والخطوط

كل يوم كنت أعود إلى الورقة البيضاء، وأترك الخطوط تنساب، تتقاطع، تلتف، وتتشابك. لم يكن الأمر مجرد رسم، بل كان رحلة غوص إلى أعماقي، اكتشافًا لكل زاوية مظلمة في داخلي. شيئًا فشيئًا، بدأت أدرك كيف يمكن للألوان أن تحمل مشاعري، وكيف يمكن للخطوط أن تعكس أفكاري الداخلية. كان هذا الفن يعلّمني الإصغاء إلى نفسي، وهو شيء لم أفعله منذ سنوات. عندها ادركت كم كنت غريبة عن هدف... 

التحول العميق: عندما أصبح الرسم العصبي أسلوب حياة

لم يكن التأثير مجرد شعور لحظي، بل تغيير جذري في طريقة تفكيري ورؤيتي للحياة. أصبح الرسم العصبي مرآتي، طريقتي في فهم ذاتي، وفي تهدئة الفوضى الداخلية. ثم جاء القرار الذي غيّر كل شيء: أردت مشاركة هذا الفن مع الآخرين.

أن أصبح أول مدربة عربية في الرسم العصبي لم يكن مجرد إنجاز مهني، بل كان امتدادًا لرحلتي الشخصية. أردت أن أنقل هذه التجربة لكل شخص يبحث عن وسيلة للشفاء، للتعبير، لإعادة بناء ذاته. ورش العمل التي بدأت بتنظيمها لم تكن مجرد دروس، بل كانت مساحات آمنة، حيث يمكن للناس أن يضعوا مشاعرهم على الورق، تمامًا كما فعلت أنا.

رسالتي اليوم: الفن كطريق إلى الذات

اليوم، وأنا أرى كيف يؤثر الرسم العصبي على طلابي، أشعر بأن رحلتي قد وصلت إلى مرحلة جديدة. أدركت أن هذا الفن ليس مجرد تقنية، بل هو لغة، أداة تواصل مع الذات والعالم. أريد أن أخبر كل من يشعر بالضياع، أو يبحث عن طريقة لفهم نفسه، أن هناك طريقًا يمكن أن يقوده إلى العمق، إلى السلام الداخلي، إلى التحرر.

إذا كنتَ تقرأ هذه السطور، ربما تكون في بداية رحلتك الخاصة. وربما، كما حدث معي، يكون الخط الأول الذي ترسمه هو بداية تحول لم تتوقعه أبدًا... فقط استمر.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة